الغزالي
209
إحياء علوم الدين
وإثبات ونفى ، ولقوله تعالى : * ( من جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَه خَيْرٌ مِنْها وهُمْ من فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) * فالايمان رأس الحسنات ، ولقوله تعالى : * ( والله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * وقال تعالى : * ( إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ من أَحْسَنَ عَمَلًا ) * ولا حجة لهم في ذلك ، فإنه حيث ذكر الايمان في هذه الآيات أريد به الايمان مع العمل ، إذ بينّا أن الايمان قد يطلق ويراد به الإسلام ، وهو الموافقة بالقلب والقول والعمل ودليل هذا التأويل أخبار كثيرة في معاقبة العاصين ومقادير العقاب . وقوله صلَّى الله عليه وسلم : « يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان » فكيف يخرج إذا لم يدخل ؟ ومن القرءان قوله تعالى : * ( إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به ويَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) * والاستثناء بالمشيئة يدل على الانقسام ، وقوله تعالى : * ( ومن يَعْصِ الله ورَسُولَه فَإِنَّ لَه نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ) * وتخصيصه بالكفر تحكَّم ، وقوله تعالى : * ( أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ في عَذابٍ مُقِيمٍ ) * . وقال تعالى : * ( ومن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ في النَّارِ ) * فهذه العمومات في معارضة عموماتهم ، ولا بد من تسليط التخصيص والتأويل على الجانبين ، لأن الأخبار مصرحة بأن العصاة يعذبون [ 1 ] ، بل قوله تعالى : * ( وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ) * كالصريح في أن ذلك لا بد منه للكل إذ لا يخلو مؤمن عن ذنب يرتكبه ، وقوله تعالى : * ( لا يَصْلاها إِلَّا الأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلَّى ) * أراد به من جماعة مخصوصين أو أراد بالأشقى شخصا معينا أيضا . وقوله تعالى : * ( كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها ) * أي فوج من الكفار . وتخصيص العمومات قريب . ومن هذه الآية وقع للأشعري وطائفة من المتكلمين إنكار صيغ العموم ، وأن هذه الألفاظ يتوقف فيها إلى ظهور قرينة تدل على معناها وأما المعتزلة فشبهتهم قوله تعالى : * ( وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) * وقوله تعالى : * ( والْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) * وقوله تعالى : * ( وإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ) * ثم قال : * ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) * وقوله